الخطيب الشربيني
228
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
هذا إذا كان خطابا لمؤمني أهل الكتاب ، وأمّا إذا كان خطابا للمؤمنين من أهل الكتاب وغيرهم ، فالمعنى : آمنوا برسوله إيمانا مضموما إلى إيمانكم بالله تعالى فإنه لا يصح الإيمان بالله إلا مع الإيمان برسوله صلى اللّه عليه وسلم يُؤْتِكُمْ أي : يثبكم على اتباعه كِفْلَيْنِ أي : نصيبين ضخمين مِنْ رَحْمَتِهِ يحصنانكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقي مقدّمة على الكاهل ومؤخره على العجز وهذا التحصين لأجل إيمانكم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وإيمانكم بمن تقدّمه مع خفة العمل ورفع الآصار ، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخا ببركة الإسلام . وقيل : الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلى اللّه عليه وسلم ؛ وقال أبو موسى الأشعري : كفلين ضعفين بلسان الحبشة ، وقال ابن زيد : كفلين أجر الدنيا وأجر الآخرة ، وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ثلاث يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوّجها ، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده » « 1 » وَيَجْعَلْ لَكُمْ أي : مع ذلك نُوراً مجازيا في الدنيا من العلوم والمعارف القلبية وحسيا في الآخرة بسبب العمل تَمْشُونَ بِهِ أي : مجازا في الدنيا بالتوفيق للعمل وحقيقة في الآخرة بسبب العمل ، وقال مجاهد : النور هو البيان والهدى ، وقال ابن عباس : هو القرآن ، وقال الزمخشري : هو النور المذكور في قوله تعالى : نُورُهُمْ يَسْعى [ التحريم : 8 ] وقيل : يمشون في الناس يدعونهم إلى الإسلام فيكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياستكم فيه وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى لا الرياسة الحقيقية في الدين وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي : ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجدّ وَاللَّهُ أي : المحيط بجميع صفات الكمال غَفُورٌ أي : بليغ المحو للذنوب عينا وأثرا رَحِيمٌ أي : بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه . ولما بلغ من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ قالوا للمسلمين : أمّا من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا ومن لم يؤمن منا فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا فأنزل الله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أي : ليعلم ولا زائدة للتأكيد أَهْلُ الْكِتابِ الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم أن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن والمعنى أنهم لا يقدرون على شيء في زمن من الأزمان مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي : الملك الأعلى فلا أجر لهم ولا نصيب في فضله إن لم يؤمنوا بنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال قتادة : حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فنزلت هذه الآية . وقال مجاهد : قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت الآية . وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادّعوا الفضل عليهم فنزلت ، وقيل : المراد من فضل الله الإسلام ، وقيل : الثواب ، وقال الكلبي : من رزق الله وقيل : نعم الله تعالى التي لا تحصى وَأَنَّ أي : وليعلموا أن الْفَضْلَ أي : الذي لا يحتاج إليه من هو عنده بِيَدِ اللَّهِ الذي له الأمر كله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ لأنه قادر مختار فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين وَاللَّهُ أي : الذي أحاط بجميع صفات الكمال ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي : مالكه ملكا لا ينفك
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم حديث 97 .